تفسير سورة يس الصفحة 441 من القرآن الكريم

تفسير الصفحة رقم 441 من المصحف


وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ (13)


خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، أمر أن يضرب لقومه مثلا بأصحاب القرية ، هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين فيما ذكر الماوردي . نسبت إلى أهل أنطبيس وهو اسم الذي بناها ثم غير لما عرب ، ذكره السهيلي . ويقال فيها : أنتاكية بالتاء بدل الطاء . وكان بها فرعون يقال له أنطيخس بن أنطيخس يعبد الأصنام ، ذكره المهدوي ، وحكاه أبو جعفر النحاس عن كعب ووهب ، فأرسل الله إليه ثلاثة : وهم صادق ، وصدوق ، وشلوم هو الثالث . هذا قول الطبري . وقال غيره : شمعون ويوحنا . وحكى النقاش : سمعان ويحيى ، ولم يذكرا صادقا ولا صدوقا . ويجوز أن يكون مثلا و " أصحاب القرية " مفعولين ل اضرب ، أو " أصحاب القرية " بدلا من مثلا ، أي : اضرب لهم مثل أصحاب القرية ، فحذف المضاف . أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنذار هؤلاء المشركين أن يحل بهم ما حل بكفار أهل القرية المبعوث إليهم ثلاثة رسل . قيل : رسل من الله على الابتداء . وقيل : إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله ، وهو قوله تعالى :

إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)


إذ أرسلنا إليهم اثنين وأضاف الرب ذلك إلى نفسه ; لأن عيسى أرسلهما بأمر الرب ، وكان ذلك حين رفع عيسى إلى السماء . فكذبوهما . قيل : ضربوهما وسجنوهما . فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون أي : فقوينا وشددنا الرسالة " بثالث " . وقرأ أبو بكر عن عاصم : " فعززنا بثالث " بالتخفيف ، وشدد الباقون . قال الجوهري : وقوله تعالى : " فعززنا بثالث " يخفف ويشدد ، أي : قوينا وشددنا . قال الأصمعي : أنشدني فيه أبو عمرو بن العلاء للمتلمس :أجد إذا رحلت تعزز لحمها وإذا تشد بنسعها لا تنبسأي : لا ترغو ، فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى . وقيل : التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا ، ومنه : وعزني في الخطاب . والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا . وفي القصة : أن عيسى أرسل إليهم رسولين فلقيا شيخا يرعى غنيمات له ، وهو حبيب النجار صاحب ( يس ) فدعوه إلى الله وقالا : نحن رسولا عيسى ندعوك إلى عبادة الله . فطالبهما بالمعجزة فقالا : نحن نشفي المرضى . وكان له ابن مجنون . وقيل : مريض على الفراش ، فمسحاه ، فقام بإذن الله صحيحا ، فآمن الرجل بالله . وقيل : هو الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ، ففشا أمرهما ، وشفيا كثيرا من المرضى ، فأرسل الملك إليهما - وكان يعبد الأصنام - يستخبرهما فقالا : نحن رسولا عيسى . فقال : وما آيتكما ؟ قالا : نبرئ الأكمه والأبرص ونبرئ المريض بإذن الله ، وندعوك إلى عبادة الله وحده . فهم الملك بضربهما . وقال وهب : حبسهما الملك وجلدهما مائة جلدة ، فانتهى الخبر إلى عيسى فأرسل ثالثا . قيل : شمعون الصفا رأس الحواريين لنصرهما ، فعاشر حاشية الملك حتى تمكن منهم ، واستأنسوا به ، ورفعوا حديثه إلى الملك فأنس به ، وأظهر موافقته في دينه ، فرضي الملك طريقته ، ثم قال يوما للملك : بلغني أنك حبست رجلين دعواك إلى الله ، فلو سألت عنهما ما وراءهما . فقال : إن الغضب حال بيني وبين سؤالهما . قال : فلو أحضرتهما . فأمر بذلك ، فقال لهما شمعون : ما برهانكما على ما تدعيان ؟ فقالا : نبرئ الأكمه والأبرص . فجيء بغلام ممسوح العينين ، موضع عينيه كالجبهة ، فدعوا ربهما فانشق موضع البصر ، فأخذا بندقتين طينا فوضعاهما في خديه ، فصارتا مقلتين يبصر بهما ، فعجب الملك وقال : إن هاهنا غلاما مات منذ سبعة أيام ولم أدفنه حتى يجيء أبوه ، فهل يحييه ربكما ؟ فدعوا الله علانية ، ودعاه شمعون سرا ، فقام الميت حيا ، فقال للناس : إني مت منذ سبعة أيام ، فوجدت مشركا ، فأدخلت في سبعة أودية من النار ، فأحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله ، ثم فتحت أبواب السماء ، فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة شمعون وصاحبيه ، حتى أحياني الله ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن عيسى روح الله وكلمته ، وأن هؤلاء هم رسل الله . فقالوا له : وهذا شمعون أيضا معهم ؟ فقال : نعم ، وهو أفضلهم . فأعلمهم شمعون أنه رسول المسيح إليهم ، فأثر قوله في الملك ، فدعاه إلى الله ، فآمن الملك في قوم كثير وكفر آخرون .وحكى القشيري أن الملك آمن ولم يؤمن قومه ، وصاح جبريل صيحة مات كل من بقي منهم من الكفار . وروي أن عيسى لما أمرهم أن يذهبوا إلى تلك القرية قالوا : يا نبي الله ، إنا لا نعرف أن نتكلم بألسنتهم ولغاتهم . فدعا الله لهم فناموا بمكانهم ، فهبوا من نومتهم قد حملتهم الملائكة فألقتهم بأرض أنطاكية ، فكلم كل واحد صاحبه بلغة القوم ، فذلك قوله : وأيدناه بروح القدس فقالوا جميعا : إنا إليكم مرسلون

قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)


قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا تأكلون الطعام وتمشون في الأسواق وما أنزل الرحمن من شيء يأمر به ولا من شيء ينهى عنه إن أنتم إلا تكذبون في دعواكم الرسالة

قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)


فقالت الرسل : " ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون " وإن كذبتمونا

وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ (17)


وما علينا إلا البلاغ المبين في أن الله واحد .

قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)


قالوا لهم إنا تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم . قال مقاتل : حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا : هذا بشؤمكم . ويقال : إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين . لئن لم تنتهوا عن إنذارنا لنرجمنكم قال الفراء : لنقتلنكم . قال : وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل . وقال قتادة : هو على بابه من الرجم بالحجارة . وقيل : لنشتمنكم ، وقد تقدم جميعه . وليمسنكم منا عذاب أليم قيل : هو القتل . وقيل : هو التعذيب المؤلم . وقيل : هو التعذيب المؤلم قبل القتل كالسلخ والقطع والصلب .

قَالُوا۟ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (19)


قالوا طائركم معكم فقالت الرسل : طائركم معكم أي : شؤمكم معكم ، أي : حظكم من الخير والشر معكم ، ولازم في أعناقكم ، وليس هو من شؤمنا ، قال معناه الضحاك . وقال قتادة : أعمالكم معكم . ابن عباس : معناه الأرزاق والأقدار تتبعكم . الفراء : طائركم معكم رزقكم وعملكم ، والمعنى واحد . وقرأ الحسن : " اطيركم " أي : تطيركم . أإن ذكرتم قال قتادة : إن ذكرتم تطيرتم .وفيه تسعة أوجه من القراءات : قرأ أهل المدينة : " أين ذكرتم " بتخفيف الهمزة الثانية . وقرأ أهل الكوفة : أإن بتحقيق الهمزتين . والوجه الثالث : " أاإن ذكرتم " بهمزتين بينهما ألف ، أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين . والوجه الرابع : " أاين " بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة . والقراءة الخامسة " أاأن " بهمزتين مفتوحتين بينهما ألف . والوجه السادس : " أأن " بهمزتين محققتين مفتوحتين . وحكى الفراء أن هذه القراءة قراءة أبي رزين .قلت : وحكاه الثعلبي عن زر بن حبيش وابن السميقع . وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري : " قالوا طائركم معكم أين ذكرتم " بمعنى حيث . وقرأ يزيد بن القعقاع والحسن وطلحة " ذكرتم " بالتخفيف ، ذكر جميعه النحاس . وذكر المهدوي عن طلحة بن مصرف وعيسى الهمداني : " آن ذكرتم " بالمد ، على أن همزة الاستفهام دخلت على همزة مفتوحة . الماجشون : " أن ذكرتم " بهمزة واحدة مفتوحة . فهذه تسع قراءات . وقرأ ابن هرمز " طيركم معكم " . " أئن ذكرتم " أي : لإن وعظتم ، وهو كلام مستأنف ، أي : إن وعظتم تطيرتم . وقيل : إنما تطيروا لما بلغهم أن كل نبي دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك . بل أنتم قوم مسرفون قال قتادة : مسرفون في تطيركم . يحيى بن سلام : مسرفون في كفركم . وقال ابن بحر : السرف هاهنا الفساد ، ومعناه بل أنتم قوم مفسدون . وقيل : مسرفون مشركون ، والإسراف مجاوزة الحد ، والمشرك يجاوز الحد .

وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ (20)


قوله تعالى : وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى هو حبيب بن مري وكان نجارا . وقيل : إسكافا . وقيل : قصارا . وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل : هو حبيب بن إسرائيل النجار وكان ينحت الأصنام ، وهو ممن آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبينهما ستمائة سنة ، كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما . ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره . قال وهب : وكان حبيب مجذوما ، ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة ، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة يدعوهم ، لعلهم يرحمونه ويكشفون ضره فما استجابوا له ، فلما أبصر الرسل دعوه إلى عبادة الله ، فقال : هل من آية ؟ قالوا : نعم ، ندعو ربنا القادر فيفرج عنك ما بك . فقال : إن هذا لعجب! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع ، فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة ؟ قالوا : نعم ، ربنا على ما يشاء قدير ، وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر . فآمن ودعوا ربهم فكشف الله ما به ، كأن لم يكن به بأس ، فحينئذ أقبل على التكسب ، فإذا أمسى تصدق بكسبه ، فأطعم عياله نصفا وتصدق بنصف ، فلما هم قومه بقتل الرسل جاءهم . ف " قال يا قوم اتبعوا المرسلين " الآية . وقال قتادة : كان يعبد الله في غار ، فلما سمع بخبر المرسلين جاء يسعى ، فقال للمرسلين : أتطلبون على ما جئتم به أجرا ؟ قالوا : لا ، ما أجرنا إلا على الله . قال أبو العالية : فاعتقد صدقهم وآمن بهم وأقبل على قومه ف قال ياقوم اتبعوا المرسلين .

ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ (21)


اتبعوا من لا يسألكم أجرا أي لو كانوا متهمين لطلبوا منكم المال وهم مهتدون فاهتدوا بهم .

وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)


وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون قال قتادة : قال له قومه : أنت على دينهم ؟ ! فقال : وما لي لا أعبد الذي فطرني أي : خلقني . وهذا احتجاج منه عليهم . وأضاف الفطرة إلى نفسه ; لأن ذلك نعمة عليه توجب الشكر ، والبعث إليهم ; لأن ذلك وعيد يقتضي الزجر ، فكان إضافة النعمة إلى نفسه أظهر شكرا ، وإضافة البعث إلى الكافر أبلغ أثرا .

ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا وَلَا يُنقِذُونِ (23)


أأتخذ من دونه آلهة يعني أصناما . إن يردن الرحمن بضر يعني ما أصابه من السقم . لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون يخلصوني مما أنا فيه من البلاء

إِنِّىٓ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ (24)


" إني إذا " يعني إن فعلت ذلك لفي ضلال مبين أي خسران ظاهر .

إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ (25)


إني آمنت بربكم فاسمعون قال ابن مسعود : خاطب الرسل بأنه مؤمن بالله ربهم . ومعنى فاسمعون أي : فاشهدوا ، أي : كونوا شهودي بالإيمان . وقال كعب ووهب : إنما قال ذلك لقومه إني آمنت بربكم الذي كفرتم به . وقيل : إنه لما قال لقومه : اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا رفعوه إلى الملك وقالوا : قد تبعت عدونا ، فطول معهم الكلام ليشغلهم بذلك عن قتل الرسل ، إلى أن قال : إني آمنت بربكم فوثبوا عليه فقتلوه . قال ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره ، وألقي في بئر وهي الرس وهم أصحاب الرس . وفي رواية أنهم قتلوا الرسل الثلاثة . وقال السدي : رموه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي ، حتى قتلوه . وقال الكلبي : حفروا حفرة وجعلوه فيها ، وردموا فوقه التراب فمات ردما . وقال الحسن : حرقوه حرقا ، وعلقوه من سور المدينة ، وقبره في سور أنطاكية ، حكاه الثعلبي .

قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (26)


وقال القشيري : وقال الحسن لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إلى السماء ، فهو في الجنة لا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة ، فإذا أعاد الله الجنة أدخلها . وقيل : نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه ، فوالله ما خرجت روحه إلا إلى الجنة فدخلها ، فذلك قوله : قيل ادخل الجنة . فلما شاهدها قال يا ليت قومي يعلمون وهو مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم الذي هو بما غفر لي ربي أي بغفران ربي لي ، ف " ما " مع الفعل بمنزلة المصدر . وقيل : بمعنى الذي ، والعائد من الصلة محذوف . ويجوز أن تكون استفهاما فيه معنى التعجب ، كأنه قال : ليت قومي يعلمون بأي شيء غفر لي ربي ، قاله الفراء . واعترضه الكسائي فقال : لو صح هذا لقال : بم من غير ألف . وقال الفراء : يجوز أن يقال بما بالألف وهو استفهام ، وأنشد فيه أبياتا . الزمخشري : " بم غفر لي " بطرح الألف أجود ، وإن كان إثباتها جائزا ، يقال : قد علمت بما صنعت هذا وبم صنعت . المهدوي : وإثبات الألف في الاستفهام قليل . فيوقف على هذا على " يعلمون " . وقال جماعة : معنى قيل ادخل الجنة وجبت لك الجنة ، فهو خبر بأنه قد استحق دخول الجنة ; لأن دخولها يستحق بعد البعث .قلت : والظاهر من الآية أنه لما قتل قيل له ادخل الجنة . قال قتادة : أدخله الله الجنة وهو فيها حي يرزق ، أراد قوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون على ما تقدم في بيانه . والله أعلم .قوله تعالى : قال يا ليت قومي يعلمون مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد من قول عند ذلك الفوز العظيم الذي هو

بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ (27)


بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين . وقرئ " من المكرمين " وفي معنى تمنيه قولان : أحدهما : أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته . الثاني : تمنى ذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله . قال ابن عباس : نصح قومه حيا وميتا . رفعه القشيري فقال : وفي الخبر أنه - عليه السلام - قال في هذه الآية : إنه نصح لهم في حياته وبعد موته . وقال ابن أبي ليلى : سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : علي بن أبي طالب وهو أفضلهم ، ومؤمن آل فرعون ، وصاحب يس ، فهم الصديقون ، ذكره الزمخشري مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .وفي هذه الآية تنبيه عظيم ، ودلالة على وجوب كظم الغيظ ، والحلم عن أهل الجهل ، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي ، والتشمر في تخليصه ، والتلطف في افتدائه ، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه ، ألا ترى كيف تمنى الخير لقتلته ، والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام .

الصفحة السابقة الصفحة التالية