تفسير سورة الرحمن الصفحة 532 من القرآن الكريم

تفسير الصفحة رقم 532 من المصحف


رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ (17)


قوله تعالى : رب المشرقين ورب المغربين أي هو رب المشرقين . وفي ( الصافات ) ورب المشارق وقد مضى الكلام في ذلك هنالك .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)


قوله تعالى : مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان مرج أي خلى وأرسل وأهمل ، يقال : مرج السلطان الناس إذا أهملهم . وأصل المرج الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى . ويقال : مرج خلط . وقال الأخفش : ويقول قوم أمرج البحرين مثل مرج ، فعل وأفعل بمعنى . البحرين قال ابن عباس : بحر السماء وبحر الأرض ، وقاله مجاهد وسعيد بن جبير .يلتقيان في كل عام . وقيل : يلتقي طرفاهما . وقال الحسن ، وقتادة : بحر فارس والروم . وقال ابن جريج : إنه البحر المالح والأنهار العذبة . وقيل : بحر المشرق والمغرب يلتقي طرفاهما . وقيل : بحر اللؤلؤ والمرجان .

بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20)


بينهما برزخ أي حاجز ، فعلى القول الأول ما بين السماء والأرض ؛ قاله الضحاك . وعلى القول الثاني الأرض التي بينهما وهي الحجاز ؛ قاله الحسن وقتادة . وعلى غيرهما من الأقوال : القدرة الإلهية على ما تقدم في ( الفرقان ) . وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى كلم الناحية الغربية فقال : إني جاعل فيك عبادا لي يسبحونني ويكبرونني ويهللونني ويمجدونني فكيف أنت لهم ؟ فقالت : أغرقهم يا رب . قال : إني أحملهم على يدي ، وأجعل بأسك في نواحيك . ثم كلم الناحية الشرقية فقال : إني جاعل فيك عبادا لي يسبحونني ويكبرونني ويهللونني ويمجدونني فكيف أنت لهم ؟ قالت : أسبحك معهم إذا سبحوك ، وأكبرك معهم إذا كبروك ، وأهللك معهم إذا هللوك ، وأمجدك معهم إذا مجدوك ، فأثابها الله الحلية وجعل بينهما برزخا ، وتحول أحدهما ملحا أجاجا ، وبقي الآخر على حالته عذبا فراتا ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم أبو عبد الله قال : حدثنا صالح بن محمد ، حدثنا القاسم العمري عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة .لا يبغيان قال قتادة : لا يبغيان على الناس فيغرقانهم ، جعل بينهما وبين الناس يبسا . وعنه أيضا ومجاهد : لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه . ابن زيد : المعنى لا يبغيان أن يلتقيا ، وتقدير الكلام : مرج البحرين يلتقيان ، لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا . وقيل : البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ، أي بينهما مدة قدرها الله وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان ، فإذا أذن الله في انقضاء الدنيا صار البحران شيئا واحدا ، وهو كقوله تعالى : وإذا البحار فجرت . وقال سهل بن عبد الله : البحران طريق الخير والشر ، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ (22)


قوله تعالى : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان أي يخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان ، كما يخرج من التراب الحب والعصف والريحان . وقرأ نافع وأبو عمرو " يخرج " بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول . الباقون يخرج بفتح الياء وضم الراء على أن اللؤلؤ هو الفاعل . وقال : منهما وإنما يخرج من الملح لا العذب لأن العرب تجمع الجنسين ثم تخبر عن أحدهما ، كقوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم وإنما الرسل من الإنس دون الجن ، قال الكلبي وغيره . قال الزجاج : قد ذكرهما الله فإذا خرج من أحدهما شيء فقد خرج منهما ، وهو كقوله تعالى : ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا والقمر في سماء الدنيا ولكن أجمل ذكر السبع فكأن ما في إحداهن فيهن . وقال أبو علي الفارسي : هذا من باب حذف المضاف ، أي من إحداهما ، كقوله : على رجل من القريتين عظيم أي من إحدى القريتين . وقال الأخفش سعيد : زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ من العذب . وقيل : هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان . ابن عباس : هما بحرا السماء والأرض . فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤا فصار خارجا منهما ، وقاله الطبري . قال الثعلبي : ولقد ذكر لي أن نواة كانت في جوف صدفة ، فأصابت القطرة بعض النواة ولم تصب البعض ، فكان حيث أصاب القطرة من النواة لؤلؤة وسائرها نواة . وقيل : إن العذب والملح قد يلتقيان ، فيكون العذب كاللقاح للملح ، فنسب إليهما كما ينسب الولد إلى الذكر والأنثى وإن ولدته الأنثى ، لذلك قيل : إنه لا يخرج اللؤلؤ إلا من وضع يلتقي فيه العذب والملح . وقيل : المرجان عظام اللؤلؤ وكباره ؛ قاله علي وابن عباس رضي الله عنهما . واللؤلؤ صغاره . وعنهما أيضا بالعكس : إن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ والمرجان صغاره ، وقاله الضحاك وقتادة . وقال ابن مسعود وأبو مالك : المرجان الخرز الأحمر .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَٰمِ (24)


قوله تعالى : وله الجوار يعني السفن . وقرأ يعقوب " الجواري " بياء في الوقف ، وحذف الباقون .المنشآت في البحر قراءة العامة المنشآت بفتح الشين ، قال قتادة : أي : المخلوقات للجري مأخوذ من الإنشاء . وقال مجاهد : هي السفن التي رفع قلعها ، قال : وإذا لم يرفع قلعها فليست بمنشآت . وقال الأخفش : إنها المجريات . وفي الحديث : أن عليا رضي الله عنه رأى سفنا مقلعة ، فقال : ورب هذه الجواري المنشآت ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم باختلاف عنه " المنشئات " بكسر الشين أي : المنشئات السير ، أضيف الفعل إليها على التجوز والاتساع . وقيل : الرافعات الشرع أي : القلع . ومن فتح الشين قال : المرفوعات الشرع . كالأعلام أي كالجبال ، والعلم الجبل الطويل ، قال :إذا قطعن علما بدا علمفالسفن في البحر كالجبال في البر ، وقد مضى في ( الشورى ) بيانه .وقرأ يعقوب " الجواري " بياء في الوقف وحذف الباقون .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .وقرأ يعقوب " الجواري " بياء في الوقف وحذف الباقون

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26)


قوله تعالى : كل من عليها فان الضمير في عليها للأرض ، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى : والأرض وضعها للأنام وقد يقال : هو أكرم من عليها يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر . وقال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت : كل شيء هالك إلا وجهه فأيقنت الملائكة بالهلاك ، وقاله مقاتل . ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ، ومع الموت تستوي الأقدام . وقيل : وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب .

وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ (27)


ويبقى وجه ربك أي ويبقى الله ، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه ، قال الشاعر :قضى على خلقه المنايا فكل شيء سواه فانيوهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا : ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم . وقال ابن عباس : الوجه عبارة عنه كما قال : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام وقال أبو المعالي : وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى ، وهو الذي ارتضاه شيخنا . ومن الدليل على ذلك قوله تعالى : ويبقى وجه ربك والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى . وقد مضى في ( البقرة ) القول في هذا عند قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله وقد ذكرناه في ( الكتاب الأسنى ) مستوفى . قال القشيري : قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف ، يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام . والصحيح أن يقال : وجهه وجوده وذاته ، يقال : هذا وجه الأم ووجه الصواب وعين الصواب . وقيل : أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه . وقيل : وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله .ذو الجلال الجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح ، يقال : جل الشيء أي عظم وأجللته أي عظمته ، والجلال اسم من جل .والإكرام أي هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك ، كما تقول : أنا أكرمك عن هذا ، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء . وقد أتينا على هذين الاسمين لغة ومعنى في الكتاب الأسنى مستوفى . وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألظوا ب " يا ذا الجلال والإكرام " . وروي أنه من قول ابن مسعود ، ومعناه : الزموا ذلك في الدعاء . قال أبو عبيد : الإلظاظ : لزوم الشيء والمثابرة عليه . ويقال : الإلظاظ الإلحاح . وعن سعيد المقبري أن رجلا ألح فجعل يقول : اللهم يا ذا الجلال والإكرام ! اللهم يا ذا الجلال والإكرام ! فنودي : إني قد سمعت فما حاجتك ؟ .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ (29)


قوله تعالى : يسأله من في السماوات والأرض قيل : المعنى يسأله من في السماوات الرحمة ، ومن في الأرض الرزق . وقال ابن عباس وأبو صالح : أهل السماوات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق ، وأهل الأرض يسألونهما جميعا . وقال ابن جريج : وتسأل الملائكة الرزق لأهل الأرض ، فكانت المسألتان جميعا من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض . وفي الحديث : إن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه ؛ وجه كوجه الإنسان وهو يسأل الله الرزق لبني آدم ، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله الرزق للسباع ، ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله الرزق للبهائم ، ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله الرزق للطير . وقال ابن عطاء : إنهم سألوه القوة على العبادة . كل يوم هو في شأن هذا كلام مبتدأ . وانتصب كل يوم ظرفا لقوله : في شأن أو ظرفا للسؤال ، ثم يبتدئ هو في شأن . وروى أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل يوم هو في شأن قال : من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين . وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل : كل يوم هو في شأن قال : يغفر ذنبا ويكشف كربا ويجيب داعيا . وقيل : من شأنه أن يحيي ويميت ، ويعز ويذل ، ويرزق ويمنع . وقيل : أراد شأنه في يومي الدنيا والآخرة . قال ابن بحر : الدهر كله يومان ، أحدهما : مدة أيام الدنيا ، والآخر : يوم القيامة ، فشأنه سبحانه وتعالى في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع ، وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب ، والثواب والعقاب . وقيل : المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا وهو الظاهر . والشأن في اللغة الخطب العظيم والجمع الشئون والمراد بالشأن هاهنا الجمع كقوله تعالى : ثم يخرجكم طفلا . وقال الكلبي : شأنه سوق المقادير إلى المواقيت . وقال عمرو بن ميمون في قوله تعالى : كل يوم هو في شأن من شأنه أن يميت حيا ، ويقر في الأرحام ما شاء ، ويعز ذليلا ، ويذل عزيزا . وسأل بعض الأمراء وزيره عن قوله تعالى : كل يوم هو في شأن فلم يعرف معناها ، واستمهله إلى الغد فانصرف كئيبا إلى منزله فقال له غلام له أسود : ما شأنك ؟ فأخبره . فقال له : عد إلى الأمير فإني أفسرها له ، فدعاه فقال : أيها الأمير ! شأنه أن يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل ، ويخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ، ويشفي سقيما ، ويسقم سليما ، ويبتلي معافى ، ويعافي مبتلى ، ويعز ذليلا ويذل عزيزا ، ويفقر غنيا ويغني فقيرا ، فقال له : فرجت عني فرج الله عنك ، ثم أمر بخلع ثياب الوزير وكساها الغلام ، فقال : يا مولاي ! هذا من شأن الله تعالى . وعن عبد الله بن طاهر : أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له : أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي ؛ قوله تعالى : فأصبح من النادمين وقد صح أن الندم توبة . وقوله : كل يوم هو في شأن وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة . وقوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . فما بال الأضعاف ؟ فقال الحسين : يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة ، ويكون توبة في هذه الأمة ، لأن الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم . وقيل : إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله . وأما قوله : كل يوم هو في شأن فإنها شئون يبديها لا شئون يبتديها . وأما قوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فمعناه : ليس له إلا ما سعى عدلا ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا . فقام عبد الله . وقبل رأسه وسوغ خراجه .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ (31)


قوله تعالى : سنفرغ لكم أيها الثقلان يقال : فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته . والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه ، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم ، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرغ لك أي أقصدك . وفرغ بمعنى قصد ، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا لجرير :الآن وقد فرغت إلى نمير فهذا حين كنت لها عذابايريد وقد قصدت . وقال أيضا وأنشده النحاس :فرغت إلى العبد المقيد في الحجلوفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة ، صاح الشيطان : يا أهل الجباجب ! هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا إزب العقبة أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك أي أقصد إلى إبطال أمرك . وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما . وقيل : إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ، ثم قال : سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه ، أي أقسم ذلك وأتفرغ منه ؛ قاله الحسن ومقاتل وابن زيد . وقرأ عبد الله وأبي " سنفرغ إليكم " وقرأ الأعمش وإبراهيم " سيفرغ لكم " بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله . وقرأ ابن شهاب والأعرج " سنفرغ لكم " بفتح النون والراء ، قال الكسائي : هي لغة تميم يقولون : فرغ يفرغ ، وحكى أيضا فرغ يفرغ ورواهما هبيرة عن حفص عن عاصم . وروى الجعفي عن أبي عمرو " سيفرغ " بفتح الياء والراء ، ورويت عن ابن هرمز . وروي عن عيسى الثقفي " سنفرغ لكم " بكسر النون وفتح الراء ، وقرأ حمزة والكسائي " سيفرغ لكم " بالياء . الباقون بالنون وهي لغة تهامة . . والثقلان الجن والإنس ، سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف - وقيل : سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتا ، قال الله تعالى : وأخرجت الأرض أثقالها ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه . وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل . ومنه قيل لبيض النعام ثقل ، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به . وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين ، لأنهما مثقلان بالذنوب . وقال : سنفرغ لكم فجمع ، ثم قال : أيه الثقلان لأنهما فريقان وكل فريق جمع ، وكذا قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ولم يقل إن استطعتما ، لأنهما فريقان في حال الجمع ، كقوله تعالى : فإذا هم فريقان يختصمون و هذان خصمان اختصموا في ربهم ولو قال : سنفرغ لكما ، وقال : إن استطعتما لجاز . وقرأ أهل الشام " أيه الثقلان " بضم الهاء . الباقون بفتحها وقد تقدم .مسألة : هذه السورة و " الأحقاف " و " قل أوحي " دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء ، مؤمنهم كمؤمنهم ، وكافرهم ككافرهم ، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَٰنٍ (33)


قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس الآية . ذكر ابن المبارك : وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها ، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها ، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا من خلف ذلك الصف ، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة ، فينزل الملك الأعلى في بهائه وملكه ومجنبته اليسرى جهنم ، فيسمعون زفيرها وشهيقها ، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة ، فذلك قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان والسلطان العذر . وقال الضحاك أيضا : بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء ، ونزلت الملائكة ، فتهرب الجن والإنس ، فتحدق بهم الملائكة ، فذلك قوله تعالى : لا تنفذون إلا بسلطان ذكره النحاس .قلت : فعلى هذا يكون في الدنيا ، وعلى ما ذكر ابن المبارك يكون في الآخرة . وعن الضحاك أيضا : إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا . وقال ابن عباس : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه ، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى . وعنه أيضا أن معنى : لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم . قتادة : لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك . وقيل : لا تنفذون إلا إلى سلطان ، الباء بمعنى إلى ، كقوله تعالى : وقد أحسن بي أي إلي . قال الشاعر :أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة لدينا ولا مقلية إن تقلتوقوله : فانفذوا أمر تعجيز .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35)


قوله تعالى : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس أي لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار ، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ . وقيل : ليس هذا متعلقا بالنفوذ بل أخبر أنه يعاقب العصاة عذابا بالنار . وقيل : أي بآلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس عقوبة على ذلك التكذيب . وقيل : يحاط على الخلائق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون يا معشر الجن والإنس ، فتلك النار قوله : يرسل عليكما شواظ من نار والشواظ في قول ابن عباس وغيره : اللهب الذي لا دخان له . والنحاس : الدخان الذي لا لهب فيه ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يهجو حسان بن ثابت رضي الله عنه ، كذا وقع في تفسير الثعلبي والماوردي بن أبي الصلت والماوردي ابن أبي الصلت والماوردي وابن أبي الصلت ، وفي " الصحاح " و " الوقف والابتداء " لابن الأنباري : أمية بن خلف قال :ألا من مبلغ حسان عني مغلغلة تدب إلى عكاظأليس أبوك فينا كان قينا لدى القينات فسلا في الحفاظيمانيا يظل يشد كيرا وينفخ دائبا لهب الشواظفأجابه حسان رضي الله عنه فقال :هجوتك فاختضعت لها بذل بقافية تأجج كالشواظوقال رؤبة :إن لهم من وقعنا أقياظا ونار حرب تسعر الشواظاوقال مجاهد : الشواظ اللهب الأخضر المنقطع من النار . الضحاك : هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب . وقاله سعيد بن جبير . وقد قيل : إن الشواظ النار والدخان جميعا ؛ قاله عمرو وحكاه الأخفش عن بعض العرب . وقرأ ابن كثير " شواظ " بكسر الشين . الباقون بالضم وهما لغتان ، مثل صوار وصوار لقطيع البقر . ونحاس قراءة العامة ونحاس بالرفع عطف على شواظ . وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وأبو عمرو " ونحاس " بالخفض عطفا على النار . قال المهدوي : من قال إن الشواظ النار والدخان جميعا فالجر في " النحاس " على هذا بين . فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال : يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس ، فشيء معطوف على شواظ ، ومن نحاس جملة هي صفة لشيء ، وحذف شيء ، وحذفت " من " لتقدم ذكرها في من نار كما حذفت " على " من قولهم : على من تنزل أنزل أي عليه . فيكون نحاس على هذا مجرورا ب " من " المحذوفة . وعن مجاهد وحميد وعكرمة وأبي العالية " ونحاس " بكسر النون لغتان كالشواظ والشواظ . والنحاس بالكسر أيضا الطبيعة والأصل ، يقال : فلان كريم النحاس والنحاس أيضا - بالضم - أي كريم النجار . وعن مسلم بن جندب " ونحس " بالرفع . وعن حنظلة بن مرة بن النعمان الأنصاري " ونحس " بالجر عطف على نار . ويجوز أن يكون " ونحاس " بالكسر جمع نحس كصعب وصعاب " ونحس " بالرفع عطف على شواظ وعن الحسن " ونحس " بالضم فيهما جمع نحس . ويجوز أن يكون أصله ونحوس فقصر بحذف واوه حسب ما تقدم عند قوله : وبالنجم هم يهتدون . وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة " ونحس " بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين من حس يحس حسا إذا استأصل ، ومنه قوله تعالى : إذ تحسونهم بإذنه والمعنى ونقتل بالعذاب . وعلى القراءة الأولى ونحاس فهو الصفر المذاب يصب على رءوسهم ؛ قاله مجاهد وقتادة ، وروي عن ابن عباس . وعن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير أن النحاس الدخان الذي لا لهب فيه ، وهو معنى قول الخليل ، وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى ، قال نابغة بني جعدة :يضيء كضوء سراج السلي ط لم يجعل الله فيه نحاساقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول السليط دهن السمسم بالشام ولا دخان فيه . وقال مقاتل : هي خمسة أنهار من صفر مذاب ، تجري من تحت العرش على رءوس أهل النار ؛ ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار . وقال ابن مسعود : النحاس المهل . وقال الضحاك : هو دردي الزيت المغلي . وقال الكسائي : هو النار التي لها ريح شديدة .فلا تنتصران أي لا ينصر بعضكم بعضا يعني الجن والإنس .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ (37)


قوله تعالى : فإذا انشقت السماء أي : انصدعت يوم القيامة فكانت وردة كالدهان الدهان الدهن ، عن مجاهد والضحاك وغيرهما . والمعنى أنها صارت في صفاء الدهن ، والدهان على هذا جمع دهن . وقال سعيد بن جبير وقتادة : المعنى : فكانت حمراء . وقيل : المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن ، أي تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم ، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها . وقيل : الدهان الجلد الأحمر الصرف ، ذكره أبو عبيد والفراء . أي تصير السماء حمراء كالأديم لشدة حر النار . ابن عباس : المعنى فكانت كالفرس الورد ، يقال للكميت : ورد إذا كان يتلون بألوان مختلفة . قال ابن عباس : الفرس الورد ، في الربيع كميت أصفر ، وفي أول الشتاء كميت أحمر ، فإذا اشتد الشتاء كان كميتا أغبر . وقال الفراء : أراد الفرس الوردية ، تكون في الربيع وردة إلى الصفرة ، فإذا اشتد البرد كانت وردة حمراء ، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة ، فشبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل . وقال الحسن : كالدهان أي كصب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألوانا . وقال زيد بن أسلم : المعنى أنها تصير كعكر الزيت ، وقيل : المعنى أنها تمر وتجيء . قال الزجاج : أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان . وهذا قريب مما قدمناه من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها . وقال قتادة : إنها اليوم خضراء وسيكون لها لون أحمر ، حكاه الثعلبي . وقال الماوردي : وزعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة ، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة ترى بهذا اللون الأزرق ، وشبهوا ذلك بعروق البدن ، وهي حمراء كحمرة الدم وترى بالحائل زرقاء ، فإن كان هذا صحيحا فإن السماء لقربها من النواظر يوم القيامة وارتفاع الحواجز ترى حمراء ، لأنه أصل لونها . والله أعلم .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38)


خطاب للإنس والجن , لأن الأنام واقع عليهما .وهذا قول الجمهور , يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة , وخرجه الترمذي وفيه " للجن أحسن منكم ردا " .وقيل : لما قال : " خلق الإنسان " [ الرحمن : 3 ] " وخلق الجان " [ الرحمن : 15 ] دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما .وأيضا قال : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " [ الرحمن : 31 ] وهو خطاب للإنس والجن وقد قال في هذه السورة : " يا معشر الجن والإنس " [ الرحمن : 33 ] .وقال الجرجاني : خاطب الجن مع الإنس وإن لم يتقدم للجن ذكر , كقوله تعالى : " حتى توارت بالحجاب " .وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن , والقرآن كالسورة الواحدة , فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس خوطب الجنسان بهذه الآيات .وقيل : الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية , حسب ما تقدم من القول في " ألقيا في جهنم " [ ق : 24 ] .وكذلك قوله [ امرؤ القيس ] : قفا نبك [ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل ] خليلي مرا بي [ على أم جندب نقض لبانات الفؤاد المعذب ] فأما ما بعد " خلق الإنسان " و " خلق الجان " [ الرحمن : 15 ] فإنه خطاب للإنس والجن , والصحيح قول الجمهور لقوله تعالى : " والأرض وضعها للأنام " والآلاء النعم , وهو قول جميع المفسرين , واحدها إلى وألى مثل معى وعصا , وإلي وألي أربع لغات حكاها النحاس قال : وفي واحد " آناء الليل " ثلاث تسقط منها المفتوحة الألف المسكنة اللام , وقد مضى في " الأعراف " و " النجم " .وقال ابن زيد : إنها القدرة , وتقدير الكلام فبأي قدرة ربكما تكذبان , وقاله الكلبي واختاره الترمذي محمد بن علي , وقال : هذه السورة من بين السور علم القرآن , والعلم إمام الجند والجند تتبعه , وإنما صارت علما لأنها سورة صفة الملك والقدرة , فقال : " الرحمن .علم القرآن " فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة العظمى من رحمانيته فقال : " الرحمن .علم القرآن " ثم ذكر الإنسان فقال : " خلق الإنسان " ثم ذكر ما صنع به وما من عليه به , ثم ذكر حسبان الشمس والقمر وسجود الأشياء مما نجم وشجر , وذكر رفع السماء ووضع الميزان وهو العدل , ووضع الأرض للأنام , فخاطب هذين الثقلين الجن والإنس حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة ولا حاجة إلى ذلك , فأشركوا به الأوثان وكل معبود اتخذوه من دونه , وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم , فقال سائلا لهم : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من ملكه وقدرته شريكا يملك معه ويقدر معه , فذلك تكذيبهم .ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال , وذكر خلق الجان من مارج من نار , ثم سألهم فقال : " فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي بأي قدرة ربكما تكذبان , فإن له في كل خلق بعد خلق قدرة بعد قدرة , فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد والمبالغة في التقرير , واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلق خلق .وقال القتبي : إن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه , وذكر خلقه آلاءه , ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقررهم بها , كما تقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره : ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا ؟ ! ألم تكن صرورة فحججت بك أفتنكر هذا ! ؟ ألم تكن راجلا فحملتك أفتنكر هذا ؟ ! والتكرير حسن في مثل هذا .قال : كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال آخر : لا تقتلي مسلما إن كنت مسلمة إياك من دمه إياك إياك وقال آخر : لا تقطعن الصديق ما طرفت عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته زره وزره وزر وزر وزر وقال الحسين بن الفضل : التكرير طردا للغفلة , وتأكيدا للحجة .

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌ وَلَا جَآنٌّ (39)


قوله تعالى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان هذا مثل قوله تعالى : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم ، فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض ، وهذا قول عكرمة . وقيل : المعنى لا يسألون إذا استقروا في النار . وقال الحسن وقتادة : لا يسألون عن ذنوبهم ، لأن الله حفظها عليهم ، وكتبتها عليهم الملائكة . رواه العوفي عن ابن عباس . وعن الحسن ومجاهد أيضا : المعنى لا تسأل الملائكة عنهم ، لأنهم يعرفونهم بسيماهم ؛ دليله ما بعده . وقاله مجاهد عن ابن عباس . وعنه أيضا في قوله تعالى : فوربك لنسألنهم أجمعين وقوله : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان وقال : لا يسألهم ليعرف ذلك منهم ، لأنه أعلم بذلك منهم ، ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ . وقال أبو العالية : لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم . وقال قتادة : كانت المسألة قبل ، ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت الجوارح شاهدة عليهم . وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه قال : فيلقى العبد فيقول أي قل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول : بلى فيقول : أفظننت أنك ملاقي ؟ فيقول : لا فيقول : إني أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك بعينه ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول : يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول هاهنا إذا ثم يقال له : الآن نبعث شاهدنا عليك فيفتكر في نفسه من هذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه : انطقي ، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه وقد مضى هذا الحديث في ( حم السجدة ) وغيرها .

فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)


تقدم تفسيرها

الصفحة السابقة الصفحة التالية