تفسير سورة القلم الصفحة 565 من القرآن الكريم

تفسير الصفحة رقم 565 من المصحف


سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ (16)


قوله تعالى : سنسمه على الخرطوم فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : سنسمه قال ابن عباس : معنى سنسمه سنخطمه بالسيف . قال : وقد خطم الذي نزلت فيه يوم بدر بالسيف ; فلم يزل مخطوما إلى أن مات . وقال قتادة : سنسمه يوم القيامة على أنفه سمة يعرف بها ; يقال : وسمته وسما وسمة إذا أثرت فيه بسمة وكي . وقد قال تعالى : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فهذه علامة ظاهرة . وقال تعالى : ونحشر المجرمين يومئذ زرقا وهذه علامة أخرى ظاهرة . فأفادت هذه الآية علامة ثالثة وهي الوسم على الأنف بالنار ; وهذا كقوله تعالى : يعرف المجرمون بسيماهم قاله الكلبي وغيره . وقال أبو العالية ومجاهد : سنسمه على الخرطوم أي على أنفه ، ونسود وجهه في الآخرة فيعرف بسواد وجهه . والخرطوم : الأنف من الإنسان . ومن السباع : موضع الشفة . وخراطيم القوم : ساداتهم . قال الفراء : وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنه في معنى الوجه ; لأن بعض الشيء يعبر به عن الكل . وقال الطبري : نبين أمره تبيانا واضحا حتى يعرفوه فلا يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على الخراطيم . وقيل : المعنى سنلحق به عارا وسبة حتى يكون كمن وسم على أنفه . قال القتبي : تقول العرب للرجل يسب سبة سوء قبيحة باقية : قد وسم ميسم سوء ; أي ألصق به عار لا يفارقه ; كما أن السمة لا يمحى أثرها . قال جرير :لما وضعت على الفرزدق ميسمي وعلى البعيث جدعت أنف الأخطلأراد به الهجاء . قال : وهذا كله نزل في الوليد بن المغيرة . ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه منه ; فألحقه به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة ; كالوسم على الخرطوم . وقيل : هو ما ابتلاه الله به في الدنيا في نفسه وماله وأهله من سوء وذل وصغار ; قاله ابن بحر . واستشهد بقول الأعشى :فدعها وما يغنيك واعمد لغيرها بشعرك واعلب أنف من أنت واسموقال النضر بن شميل : المعنى سنحده على شرب الخمر ، والخرطوم : الخمر ، وجمعه خراطيم ، قال الشاعر :تظل يومك في لهو وفي طرب وأنت بالليل شراب الخراطيمقال الراجز العجاج : صهباء خرطوما عقارا قرقفا وقال آخر :أبا حاضر من يزن يعرف زناؤهومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراالثانية : قال ابن العربي : كان الوسم في الوجه لذي المعصية قديما عند الناس ، حتى إنه روي - كما تقدم - أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني اعتاضوا منه بالضرب وتحميم الوجه ; وهذا وضع باطل . ومن الوسم الصحيح في الوجه : ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور علامة على قبح المعصية وتشديدا لمن يتعاطاها لغيره ممن يرجى تجنبه بما يرجى من عقوبة شاهد الزور وشهرته ; فقد كان عزيزا بقول الحق وقد صار مهينا بالمعصية . وأعظم الإهانة إهانة الوجه . وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سببا لخيرة الأبد والتحريم له على النار ; فإن الله تعالى قد حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود ; حسب ما ثبت في الصحيح .

إِنَّا بَلَوْنَٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا۟ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)


قوله تعالى : إنا بلوناهم يريد أهل مكة . والابتلاء الاختبار . والمعنى أعطيناهم أموالا ليشكروا لا ليبطروا ; فلما بطروا وعادوا محمدا صلى الله عليه وسلم ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أهل الجنة المعروف خبرها عندهم . وذلك أنها كانت بأرض اليمن بالقرب منهم على فراسخ من صنعاء - ويقال بفرسخين - وكانت لرجل يؤدي حق الله تعالى منها ; فلما مات صارت إلى ولده ، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها ; فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حل بها . قال الكلبي : كان بينهم وبين صنعاء فرسخان ; ابتلاهم الله بأن أحرق جنتهم . وقيل : هي جنة بضوران ، وضوران على فرسخ من صنعاء ، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى عليه السلام بيسير - وكانوا بخلاء - فكانوا يجدون التمر ليلا من أجل المساكين ، وكانوا أرادوا حصاد زرعها وقالوا : لا يدخلها اليوم عليكم مسكين ، فغدوا عليها فإذا هي قد اقتلعت من أصلها فأصبحت كالصريم ; أي كالليل . ويقال أيضا للنهار صريم . فإن كان أراد الليل فلاسواد موضعها . وكأنهم وجدوا موضعها حمأة . وإن كان أراد بالصريم النهار فلذهاب الشجر والزرع ونقاء الأرض منه . وكان الطائف الذي طاف عليها جبريل عليه السلام فاقتلعها . فيقال : إنه طاف بها حول البيت ثم وضعها حيث مدينة الطائف اليوم ; ولذلك سميت الطائف . وليس في أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها . وقال البكري في المعجم : سميت الطائف لأن رجلا من الصدف يقال له الدمون ، بنى حائطا وقال : قد بنيت لكم طائفا حول بلدكم ; فسميت الطائف . والله أعلم .الثانية : قال بعض العلماء : على من حصد زرعا أو جد ثمرة أن يواسي منها من حضره ; وذلك معنى قوله : وآتوا حقه يوم حصاده وأنه غير الزكاة على ما تقدم في " الأنعام " بيانه . وقال بعضهم : وعليه ترك ما أخطأه الحاصدون . وكان بعض العباد يتحرون أقواتهم من هذا . وروي أنه نهي عن الحصاد بالليل . فقيل : إنه لما ينقطع عن المساكين في ذلك من الرفق . وتأول من قال هذا الآية التي في سورة " ن والقلم " . قيل : إنما نهي عن ذلك خشية الحيات وهوام الأرض .قلت : الأول أصح ; والثاني حسن . وإنما قلنا الأول أصح لأن العقوبة كانت بسبب ما أرادوه من منع المساكين كما ذكر الله تعالى . روى أسباط عن السدي قال : كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا ، وكان إذا بلغ ثماره أتاه المساكين فما يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها ويتزودوا ; فلما مات قال بنوه بعضهم لبعض : علام نعطي أموالنا هؤلاء المساكين ! تعالوا فلندلج فنصرمنها قبل أن يعلم المساكين ، ولم يستثنوا ، فانطلقوا وبعضهم يقول لبعض خفتا : لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ; فذلك قوله تعالى : إذ أقسموا يعني حلفوا فيما بينهم " ليصرمنها مصبحين " يعني لنجذنها وقت الصبح قبل أن تخرج المساكين ; ولا يستثنون ; يعني لم يقولوا إن شاء الله . وقال ابن عباس : كانت تلك الجنة دون صنعاء بفرسخين ، غرسها رجل من أهل الصلاح وكان له ثلاثة بنين ، وكان للمساكين كل ما تعداه المنجل فلم يجذه من الكرم ، فإذا طرح على البساط فكل شيء سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين ، فإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين ، فإذا درسوا كان لهم كل شيء انتثر ; فكان أبوهم يتصدق منها على المساكين ، وكان يعيش في ذلك في حياة أبيهم اليتامى والأرامل والمساكين ، فلما مات أبوهم فعلوا ما ذكر الله عنهم . فقالوا : قل المال وكثر العيال ; فتحالفوا بينهم ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصرمنها ولا تعرف المساكين . وهو قوله : إذ أقسموا ؛ أي حلفوا " ليصرمنها " ليقطعن ثمر نخيلهم إذا أصبحوا بسدفة من الليل لئلا ينتبه المساكين لهم . والصرم القطع . يقال : صرم العذق عن النخلة . وأصرم النخل أي حان وقت صرامه . مثل أركب المهر وأحصد الزرع ، أي حان ركوبه وحصاده .

وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)


ولا يستثنون أي ولم يقولوا إن شاء الله .وقال مجاهد : كان حرثهم عنبا ولم يقولوا إن شاء الله . وقال أبو صالح : كان استثناؤهم قولهم سبحان الله ربنا . وقيل : معنى ولا يستثنون أي لا يستثنون حق المساكين ; قاله عكرمة .

فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ (19)


فجاءوها ليلا فرأوا الجنة مسودة قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون . قيل : الطائف جبريل عليه السلام ; على ما تقدم ذكره . وقال ابن عباس : أمر من ربك . وقال قتادة : عذاب من ربك . ابن جريج : عنق من نار خرج من وادي جهنم . والطائف لا يكون إلا بالليل ; قاله الفراء .الثالثة : قلت : في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان ; لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم . ونظير هذه الآية قوله تعالى : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . قيل : يا رسول الله ، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه " . وقد مضى مبينا في سورة " آل عمران " عند قوله تعالى : ولم يصروا على ما فعلوا .

فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ (20)


قوله تعالى : فأصبحت كالصريم أي كالليل المظلم عن ابن عباس والفراء وغيرهما . قال الشاعر :تطاول ليلك الجون البهيم فما ينجاب عن صبح بهيمأي احترقت فصارت كالليل الأسود . وعن ابن عباس أيضا : كالرماد الأسود . قال : الصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة . الثوري : كالزرع المحصود . فالصريم بمعنى المصروم ؛ أي المقطوع ما فيه . وقال الحسن : صرم عنها الخير أي قطع ; فالصريم مفعول أيضا . وقال المؤرج : أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل . يقال : صريمة وصرائم ; فالرملة لا تنبت شيئا ينتفع به . وقال الأخفش : أي كالصبح انصرم من الليل . وقال المبرد : أي كالنهار ; فلا شيء فيها . قال شمر : الصريم الليل والصريم النهار ; أي ينصرم هذا عن ذاك وذاك عن هذا . وقيل : سمي الليل صريما لأنه يقطع بظلمته عن التصرف ; ولهذا يكون فعيل بمعنى فاعل . قال القشيري : وفي هذا نظر ; لأن النهار يسمى صريما ولا يقطع عن تصرف .

فَتَنَادَوْا۟ مُصْبِحِينَ (21)


فتنادوا مصبحين ينادي بعضهم بعضا

أَنِ ٱغْدُوا۟ عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰرِمِينَ (22)


أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين عازمين على الصرام والجداد . قال قتادة : حاصدين زرعكم . وقال الكلبي : ما كان في جنتهم من زرع ولا نخيل .

فَٱنطَلَقُوا۟ وَهُمْ يَتَخَٰفَتُونَ (23)


قوله تعالى : فانطلقوا وهم يتخافتون أي يتسارون ; أي يخفون كلامهم ويسرونه لئلا يعلم بهم أحد ; قاله عطاء وقتادة . وهو من خفت يخفت إذا سكن ولم يبين . كما قال دريد بن الصمة :وإني لم أهلك سلالا ولم أمت خفاتا وكلا ظنه بي عوديوقيل : يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم .

أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا ٱلْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24)


وكان أبوهم يخبر الفقراء والمساكين فيحضروا وقت الحصاد والصرام .

وَغَدَوْا۟ عَلَىٰ حَرْدٍ قَٰدِرِينَ (25)


وغدوا على حرد قادرين أي على قصد وقدرة في أنفسهم ويظنون أنهم تمكنوا من مرادهم . قال معناه ابن عباس وغيره . والحرد القصد . حرد يحرد ( بالكسر ) حردا قصد . تقول : حردت حردك ; أي قصدت قصدك . ومنه قول الراجز :أقبل سيل جاء من عند الله يحرد حرد الجنة المغلهأنشده النحاس :قد جاء سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغلهقال المبرد : المغلة ذات الغلة . وقال غيره : المغلة التي يجري الماء في غللها أي في أصولها . ومنه تغللت بالغالية . ومنه تغليت ، أبدل من اللام ياء . ومن قال تغلفت فمعناه عنده جعلتها غلافا . وقال قتادة ومجاهد : على حرد أي على جد . الحسن : على حاجة وفاقة . وقال أبو عبيدة والقتيبي : على حرد على منع ; من قولهم : حاردت الإبل حرادا أي قلت ألبانها . والحرود من النوق القليلة الدر . وحاردت السنة قل مطرها وخيرها . وقال السدي وسفيان : على حرد على غضب . والحرد الغضب . قال أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي : وهو مخفف ; وأنشد شعرا :إذا جياد الخيل جاءت تردي مملوءة من غضب وحردوقال ابن السكيت : وقد يحرك ; تقول منه : حرد ( بالكسر ) حردا ، فهو حارد وحردان . ومنه قيل : أسد حارد ، وليوث حوارد . وقيل : " على حرد " على انفراد . يقال : حرد يحرد حرودا ; أي تنحى عن قومه ونزل منفردا ولم يخالطهم . وقال أبو زيد : رجل حريد من قوم حرداء . وقد حرد يحرد حرودا ; إذا ترك قومه وتحول عنهم . وكوكب حريد ; أي معتزل عن الكواكب . قال الأصمعي : رجل حريد ; أي فريد وحيد . قال : والمنحرد المنفرد في لغة هذيل . وأنشد لأبي ذؤيب : كأنه كوكب في الجو منحرد ورواه أبو عمرو بالجيم ، وفسره : منفرد . قال : وهو سهيل . وقال الأزهري : حرد اسم قريتهم . السدي : اسم جنتهم ; وفيه لغتان : حرد وحرد . وقرأ العامة بالإسكان . وقرأ أبو العالية وابن السميقع بالفتح ; وهما لغتان . ومعنى " قادرين " قد قدروا أمرهم وبنوا عليه ; قاله الفراء . وقال قتادة : قادرين على جنتهم عند أنفسهم . وقال الشعبي : قادرين يعني على المساكين . وقيل : معناه من الوجود ; أي منعوا وهم واجدون .

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوٓا۟ إِنَّا لَضَآلُّونَ (26)


قوله تعالى : فلما رأوها قالوا إنا لضالون أي لما رأوها محترقة لا شيء فيها قد صارت كالليل الأسود ينظرون إليها كالرماد ، أنكروها وشكوا فيها . وقال بعضهم لبعض : إنا لضالون أي ضللنا الطريق إلى جنتنا ; قاله قتادة . وقيل : أي إنا لضالون عن الصواب في غدونا على نية منع المساكين ; فلذلك عوقبنا .

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)


بل نحن محرومون أي حرمنا جنتنا بما صنعنا . روى أسباط عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والمعاصي ؛ إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا كان هيئ له " ثم تلا : فطاف عليها طائف من ربك الآيتين .

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)


قوله تعالى : قال أوسطهم أي أمثلهم وأعدلهم وأعقلهم .ألم أقل لكم لولا تسبحون أي هلا تستثنون . وكان استثناؤهم تسبيحا ; قاله مجاهد وغيره . وهذا يدل على أن هذا الأوسط كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه . قال أبو صالح : كان استثناؤهم سبحان الله . فقال لهم : هلا تسبحون الله ; أي تقولون سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم . قال النحاس : أصل التسبيح التنزيه لله عز وجل ; فجعل مجاهد التسبيح في موضع إن شاء الله ; لأن المعنى تنزيه الله عز وجل أن يكون شيء إلا بمشيئته . وقيل : هلا تستغفرونه من فعلكم وتتوبون إليه من خبث نيتكم ; فإن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك وذكرهم انتقامه من المجرمين .

قَالُوا۟ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ (29)


قالوا سبحان ربنا اعترفوا بالمعصية ونزهوا الله عن أن يكون ظالما فيما فعل . قال ابن عباس في قولهم : سبحان ربنا أي نستغفر الله من ذنبنا .إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا المساكين .

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَٰوَمُونَ (30)


أي يلوم هذا هذا في القسم ومنع المساكين , ويقول : بل أنت أشرت علينا بهذا .

قَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ (31)


قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين أي عاصين بمنع حق الفقراء وترك الاستثناء . وقال ابن كيسان : طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها آباؤنا من قبل .

عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ (32)


عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها تعاقدوا وقالوا : إن أبدلنا الله خيرا منها لنصنعن كما صنعت آباؤنا ; فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم الله من ليلتهم ما هو خير منها ، وأمر جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها . وقال ابن مسعود : إن القوم أخلصوا وعرف الله منهم صدقهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان ، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا واحدا . وقال اليماني أبو خالد : دخلت تلك الجنة فرأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم . وقال الحسن : قول أهل الجنة :إنا إلى ربنا راغبون لا أدري إيمانا كان ذلك منهم أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة ; فيوقف في كونهم مؤمنين . وسئل قتادة عن أصحاب الجنة : أهم من أهل الجنة أم من أهل النار ؟ فقال : لقد كلفتني تعبا . والمعظم يقولون : إنهم تابوا وأخلصوا ; حكاه القشيري . وقراءة العامة " يبدلنا " بالتخفيف . وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بالتشديد ، وهما لغتان . وقيل : التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم . والإبدال رفع الشيء ووضع آخر مكانه . وقد مضى في سورة " النساء " القول في هذا .

كَذَٰلِكَ ٱلْعَذَابُ وَلَعَذَابُ ٱلْءَاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ (33)


قوله تعالى : كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمونقوله تعالى : كذلك العذاب أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال ; عن ابن زيد . وقيل : إن هذا وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا .ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون وقال ابن عباس : هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر ، وتضرب القينات على رءوسهم ; فأخلف الله ظنهم وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا . ثم قيل : إن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين يحتمل أنه كان واجبا عليهم ، ويحتمل أنه كان تطوعا ; والأول أظهر ، والله أعلم . وقيل : السورة مكية ; فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحط ، وعلى قتال بدر .

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (34)


قوله تعالى : إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم تقدم القول فيه ; أي إن للمتقين في الآخرة جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص ، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنات الدنيا . وكان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها ; فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المؤمنين قالوا : إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا ، وإلا لم يزيدوا علينا ولم يفضلونا ، وأقصى أمرهم أن يساوونا .

أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ (35)


فقال : أفنجعل المسلمين كالمجرمين أي كالكفار . وقال ابن عباس وغيره : قالت كفار مكة : إنا نعطى في الآخرة خيرا مما تعطون ; فنزلت أفنجعل المسلمين كالمجرمين .

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)


هذا الحكم الأعوج ; كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم أن لكم من الخير ما للمسلمين .

أَمْ لَكُمْ كِتَٰبٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37)


أي لكم كتاب تجدون فيه المطيع كالعاصي .

إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38)


إن لكم فيه لما تخيرون تختارون وتشتهون . والمعنى أن لكم ( بالفتح ) ولكنه كسر لدخول اللام ; تقول : علمت أنك عاقل ( بالفتح ) ، وعلمت إنك لعاقل ( بالكسر ) . فالعامل في إن لكم فيه لما تخيرون تدرسون في المعنى . ومنعت اللام من فتح إن . وقيل : تم الكلام عند قوله : " تدرسون " ثم ابتدأ فقال : إن لكم فيه لما تخيرون أي إن لكم في هذا الكتاب إذا ما تخيرون ; أي ليس لكم ذلك . والكناية في " فيه " الأولى ، والثانية راجعة إلى الكتاب .

أَمْ لَكُمْ أَيْمَٰنٌ عَلَيْنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39)


ثم زاد في التوبيخ فقال : أم لكم أيمان أي عهود ومواثيق ." علينا بالغة " مؤكدة . والبالغة المؤكدة بالله تعالى . أي أم لكم عهود على الله تعالى استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة .إن لكم لما تحكمون كسرت " إن " لدخول اللام في الخبر . وهي من صلة " أيمان " ، والموضع النصب ولكن كسرت لأجل اللام ; تقول : حلفت إن لك لكذا . وقيل : تم الكلام عند قوله : إلى يوم القيامة ثم قال : إن لكم لما تحكمون إذا ; أي ليس الأمر كذلك . وقرأ ابن هرمز " أين لكم فيه لما تخيرون " " أين لكم لما تحكمون " ; بالاستفهام فيهما جميعا . وقرأ الحسن البصري " بالغة " بالنصب على الحال ; إما من الضمير في " لكم " لأنه خبر عن " أيمان " ففيه ضمير منه . وإما من الضمير في " علينا " إن قدرت " علينا " وصفا للأيمان لا متعلقا بنفس الأيمان ; لأن فيه ضميرا منه ، كما يكون إذا كان خبرا عنه . ويجوز أن يكون حالا من " أيمان " وإن كانت نكرة ، كما أجازوا نصب حقا على الحال من متاع في قوله تعالى : متاع بالمعروف حقا على المتقين . وقرأ العامة " بالغة " بالرفع نعت ل " أيمان " .

سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ (40)


قوله تعالى : سلهم أيهم بذلك زعيم أي سل يا محمد هؤلاء المتقولين علي : أيهم كفيل بما تقدم ذكره . وهو أن لهم من الخير ما للمسلمين . والزعيم : الكفيل والضمين ; قاله ابن عباس وقتادة . وقال ابن كيسان : الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى . وقال الحسن : الزعيم الرسول .

أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأْتُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ إِن كَانُوا۟ صَٰدِقِينَ (41)


" أم لهم شركاء " أي ألهم والميم صلة . " شركاء " أي شهداء .فليأتوا بشركائهم يشهدون على ما زعموا ." إن كانوا صادقين " في دعواهم . وقيل : أي فليأتوا بشركائهم إن أمكنهم ; فهو أمر معناه التعجيز .

يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)


قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق يجوز أن يكون العامل في " يوم " فليأتوا أي فليأتوا بشركائهم يوم يكشف عن ساق ليشفع الشركاء لهم . ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل ، أي اذكر يوم يكشف عن ساق ; فيوقف على صادقين ولا يوقف عليه على التقدير الأول . وقرئ " يوم نكشف " بالنون . وقرأ ابن عباس " يوم تكشف عن ساق " بتاء مسمى الفاعل ; أي تكشف الشدة أو القيامة عن ساقها ; كقولهم : شمرت الحرب عن ساقها . قال الشاعر :فتى الحرب إن عضت به الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمراوقال الراجز :قد كشفت عن ساقها فشدوا وجدت الحرب بكم فجدواوقال آخر :عجبت من نفسي ومن إشفاقها ومن طراد الطير عن أرزاقهافي سنة قد كشفت عن ساقها حمراء تبري اللحم عن عراقهاوقال آخر :كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراحوعن ابن عباس أيضا والحسن وأبي العالية " تكشف " بتاء غير مسمى الفاعل . وهذه القراءة راجعة إلى معنى يكشف وكأنه قال : يوم تكشف القيامة عن شدة . وقرئ " يوم تكشف " بالتاء المضمومة وكسر الشين ; من أكشف إذا دخل في الكشف . ومنه : أكشف الرجل فهو مكشف ; إذا انقلبت شفته العليا . وذكر ابن المبارك قال : أخبرنا أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق قال : عن كرب وشدة . أخبرنا ابن جريج عن مجاهد قال : شدة الأمر وجده . وقال مجاهد : قال ابن عباس هي أشد ساعة في يوم القيامة . وقال أبو عبيدة : إذا اشتد الحرب والأمر قيل : كشف الأمر عن ساقه . والأصل فيه أن من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه ; فاستعير الساق والكشف عنها في موضع الشدة . وقيل : ساق الشيء أصله الذي به قوامه ; كساق الشجرة وساق الإنسان . أي يوم يكشف عن أصل الأمر فتظهر حقائق الأمور وأصلها . وقيل : يكشف عن ساق جهنم . وقيل : عن ساق العرش . وقيل : يريد وقت اقتراب الأجل وضعف البدن ; أي يكشف المريض عن ساقه ليبصر ضعفه ، ويدعوه المؤذن إلى الصلاة فلا يمكنه أن يقوم ويخرج . فأما ما روي أن الله يكشف عن ساقه فإنه عز وجل يتعالى عن الأعضاء والتبعيض وأن يكشف ويتغطى . ومعناه أن يكشف عن العظيم من أمره . وقيل : يكشف عن نوره عز وجل . وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : عن ساق قال : يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا . وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره : حدثنا الخليل بن أحمد قال : حدثنا ابن منيع قال : حدثنا هدبة قال : حدثنا حماد بن سلمة عن عدي بن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بردة عن أبي موسى قال : حدثني أبي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا ، فيذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويبقى أهل التوحيد ، فيقال لهم : ما تنتظرون وقد ذهب الناس ؟ فيقولون : إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره - قال - وتعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم . فيقال : فكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له . فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدا ، وتبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فينظرون إلى الله تعالى فيريدون السجود فلا يستطيعون فذلك قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون فيقول الله تعالى : عبادي ، ارفعوا رءوسكم فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى في النار " . قال أبو بردة : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال : آلله الذي لا إله إلا هو لقد حدثك أبوك بهذا الحديث ؟ فحلف له ثلاثة أيمان ; فقال عمر : ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا . وقال قيس بن السكن : حدث عبد الله بن مسعود عند عمر بن الخطاب فقال : إذا كان يوم القيامة قام الناس لرب العالمين أربعين عاما شاخصة أبصارهم إلى السماء ، حفاة عراة يلجمهم العرق ، فلا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم أربعين عاما ، ثم ينادي مناد : أيها الناس ، أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوركم وأماتكم وأحياكم ثم عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا ؟ قالوا : نعم . قال : فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار ، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال لهم : ألا تذهبون ، قد ذهب الناس ؟ فيقولون : حتى يأتينا ربنا ; فيقال لهم : أوتعرفونه ؟ فيقولون : إن اعترف لنا عرفناه . قال فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم فيخر من كان يعبده مخلصا ساجدا ، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد ، فيذهب بهم إلى النار ، ويدخل هؤلاء الجنة ; فذلك قوله تعالى : ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون .

الصفحة السابقة الصفحة التالية